ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

159

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

تسبح الأملاك في مجراة دائرة قطر السماوات ، وزين المراتب بالكواكب من حسن صنعة من الآيات ودلالات من له الكرامات على الكائنات ، سطح الأرض ورفع السماوات ، أنبت النبات وأنبت الزرع وله كل شيء خضع ، وخلق المخلوقات جلّ وعلا فيما صنع ، أنشأ من طين « آدم » فهو أبو البشر وأسجد له جميع الأملاك إلى من شقي بالكبر ، فأبعده وقلاه وأوعده بالوعيد وجفاه ، وأرماه بالشر ، وسمّاه على رؤوس الملائكة شيطانا ، وألبسه ثوب الحسرات ، وبرده الخجل والإثم والعدوان ، وسماه رجيما ، ولم يحلم عليه لأجل « آدم » ولا نفعه ، أكثر عبادته ولا تطاول السنين ولا التقادم ، ومن بعد عبادته أصبح مفلسا عادما معدما ومؤيسا نادما ، فحمل على نفسه مما أصابه ، مزق في الغيظ أثوابه ، وجعل العداوة لآدم وبنيه دأبه ، وقال : خلعة مملكتي وضعت على غيري ، وتاج منزلتي وعلو مرتبتي ورفعتي ونفاذ كلمتي وتصريفي عاد لغيري ، وكان سبب ضري وضرري وهمي وبعدي وطردي وتعبي وهجري وجفائي وبلائي وشقاوتي وشقوتي وشتاتي وعزل ولايتي وقطع منشور ولائي ، لبسها للطين الذي أحدثه حدثا ليس له تمكين ، فوعزتك وجلالك وعظمتك وكمالك وارتفاعك في مكانك لأقعدن لهم بالطرائق والطرق ، ولأكدرن عليه منهله ومشربه ولأغوينه ، ولأتلفن في رتبته كما أتلف رتبتي ، ولأكونن له ولبنيه خصما وعدوا ، ولآمرنهن بالقتل وسفك الدماء وتغيير الصور وارتكاب العظائم والجرائم والكبائر والفواحش والردى والهوى والزنا والوسوسة ، ولأنتهكن أكثرهم ، ولأغيرن أمرهم ، ولأدخلن عليهم من كل باب ، ولأفرقن وجوههم ، ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ، وآمرنهم فليغيرن خلق اللّه . فأوحى اللّه إلى عبده « آدم » وصفوته من خلقه : أن يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فاحذره فإنه لك بالمرصاد ، وقد حنق لما مسخته من أجلك ؛ لكونه لم يسجد لك وقطعت وصلتي أيضا له ونزعت خلعة قبوله وطمست معالي مجده ، حططت رفعة مكانه وطردته طردا وأبعدته بعدا ، وقاطعته كأن لم يكن باتصال ولا وطئ مكان الوصال ، وأشهرته بين ملائكتي ، وألبسته ثوب الذل ، وغضبت عليه بعد إذ كان بحضرتي مرحا يتصرف بطيب قلب ونفس وصدر منشرح ونفاد كلمة وأمر ناجح ، فأصبح [ دعوه ومثله ] « 1 » وبقي شهرة وحيرة أخرة وعدم منزلة وسقوط حظه ووعد بالنار والشنار والعار والدمار كأن لم يكن في عزل ، وبدل بعد العز بالخزي هذا كله من أجلك لما امتنع أن

--> ( 1 ) كذا بالأصل .